ليجند
12-24-2007, 03:06
لازلت أرتدي ثوب الماضي ولا أرغب أن أخلعه. ومازال عالقًا في ذهني تلك البيوت المترابطة معماريًا واجتماعيًا وتواصلاً ومودة. إن سيناريو هذه الحياة الجميلة بكل المقاييس يسيطر على فكري ويعود بي إلى الوراء حتى سن الطفولة. كي أتذكر الأم التي تستقبلنا بكل حب وحنان عند العودة من المدرسة ويلمح فوق جبينها حبات العرق برائحة المسك يسيل على وجنتها نتيجة كفاحها اليومي كل صباح من أجل راحتنا وتهيئة المناخ المناسب لنا. فهي أول من يستيقظ في البيت وآخر من ينام وأشبه بالحارس الأمين الذي يذود عن ما في عهدته. كنا نستطعم الغداء من يدها النحيلة. وكنا نشعر بالأمان والاطمئنان عندما تدعو لنا وتبارك كل خطواتنا بالمتابعة والحرص على كل شاردة وواردة تخص مستقبلنا. لم يمنعها جهلها أو عدم تعلمها أن تؤدي رسالتها على أكمل وجه وبكل تفوق واقتدار. وتخرج من تحت يديها أصحاب مراكز مرموقة وتحصلوا على أعلى الشهادات العلمية. أما حالنا اليوم أصبح الأبناء غرباء في بيوتهم واصبحوا يفتقدون لوجود الأم بجوارهم رغم وجودها وانما جسديًا وليس روحيًا وفكريًا. ونظرًا لعدم تفرغ الأم ذهنيًا للتربية ومتابعة أطفالها أو أداء أعمالها المنزلية المناطة بها على أكمل وجه وانشغالها بأمور دنيوية والاهتمام بنفسها والحرص على الخروج الدائم من المنزل إما لزيارات اجتماعية أو تسوق أو ترويح عن النفس أو مجاملات ومناسبات عديدة. أصبح من اللازم وحتميًا وجود أم بديلة تقوم بأدوار الأم الحقيقية من الأعمال المنزلية كافة والاهتمام بالأطفال وإعداد الطعام والجلوس معهم باستمرار. وأصبح الطفل يألف ويستأنس في وجوده مع الخادمة أكثر من الأم ويشعر بالسعادة عند رؤيتها ويبكي عند ذهابها عنه. وتشرَّب منها منذ نعومة أظفاره اللغة والعادات التي تمارسها هذه الخادمة أمامه. وبات من الصعب من مكان أن نغير له تلك المفاهيم مستقبلاً. ولن نستغرب منه أي تصرفات سلبية ودخيلة أو ممارسة طقوس أو طباع اكتسبها من تلك الخادمة التي غرستها فيه وبدأت تنمو داخله وأصبح أهل البيت غرباء لا ينتمون إلى بعضهم بأي حال من الأحوال ولا تربطهم علاقة أو أي صلة. ففي الصباح تجد الأبناء مع السائق وفي الليل مع الخادمة وبات جلوسهم مع والديهم من الحالات النادرة أو المعجزات أو المستحيلات. نحن نضع في بيوتنا قنابل موقوتة بأيدينا سوف نشعلها وسنظل في سبات عميق وغيبوبة. ولن نفيق إلا على الإنفجار الذي لا نعرف مداه وأبعاد أضراره علينا. وتربية النشء على النهج السليم ومتابعة الأطفال من قبل الأم التي شرفها الإسلام بأن جعل الجنة تحت أقدامها كما وعدها الرسول الكريم. أصبحت كالخيال في المنزل ووجودها كعدمه واقتصرت أدوارها على أمور بسيطة لا تذكر وانشغل الأب بأعماله اليومية وسهراته الخاصة الليلية مع أصحابه. وجير الأمر إلى البابا السواق والماما الخادمة. وهذا شيء يندى له الجبين. أصبحنا مجتمعًا متواكلاً في كل أموره. ونلقي بكل مسؤوليتنا على الآخرين حتى ولو كانوا فلذات أكبادنا. ولم تردعنا تلك الجرائم والأضرار الجسيمة التي أحدثتها تلك العمالة داخل منازلنا ولم نعتبر من نصح وتحذيرات المعنيين بالتربية وأهل الدين. ان الأطفال أمانة في أعناقنا أمام الله يجب أن لا نهملهم ونعود أدراجنا إلى الصواب والرشاد ونستدرك ما تبقى لنا أن ندركه أو نصلحه قبل فوات الأوان والأبناء زينة الحياة الدنيا وهبة الخالق ونعمه نشكره من خلال حسن تربيتهم وإعطائهم كافة الجهد والاهتمام وترسيخ العادات والتقاليد وتعاليم الدين. وإن كان لابد من وجود تلك الخادمة أو السائق فتكون أدوارهم مقصورة وبشكل محدود ومقنن وعدم ترك الحبل على الغارب لهم. عودوا بنا إلى الماضي بروعته وترابط أفراده والتفاف الأسرة الواحدة في المنزل وشعور الابن بالحنان الحقيقي من أمه والأمان بوجود أبيه. هذه رسالة تحذيرية لكل أم وأب يجب أن نأخذ بمحتواها ونعمل بمقتضاها فالجيل القادم عندما يتفكك وهو عماد الأمة ومستقبلها الذي نوعز إليه بالآمال والطموحات. سوف يصبح أبناؤه مختلفي الأشراب والطباع ومزيجًا مختلطًا يمثل عادات وتقاليد عدة شعوب. وتندثر من خلالها عاداتنا وتقاليدنا ومواريثنا التي نفتخر ونعتز بها.?ونصبح مجتمعًا هشًا وضعيفًا ولا يوجد له وصف أو تعريف. فالبيت هو الأساس والانطلاقة الأولى لإعداد أجيال تبني بسواعدها وأفكارها وعلمها آمالنا وتطلعاتنا، هل نصحح أوضاعنا من الآن ونبدأ في أول خطوة إيجابية لإيقاف هذا المد الفكري الذي يغزو بيوتنا ويمس أغلى ما نملك في حياتنا. من سيعلق الجرس ويكون شجاعاً ويبادر في بدء الحركة التصحيحية داخل أسوار منزله كي يصبح متينًا مترابطًا بحنان الأم ورعاية الأب. لن أفقد الأمل طالما هناك عقول تتجاوب مع هذا النداء النابع من غيرة وخوف وحرص على أبنائنا من مجهول لا نعلمه ولن ندرك ما سيحل بنا بعد ذلك من مخاطر عديدة. ؟
تقبلو تحياتي
ليجند
تقبلو تحياتي
ليجند