المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الموسيقى



^^هبوب الجنوب^^
07-18-2008, 02:31
بسم الله الرحمن الرحيم



الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين



الموسيقى


في القرية ، وحينما كنا صغارا ، لم نكن نمارس أي نشاط موسيقي ، كما أننا لم نكن نستمع إلى أي موسيقى ، فلا آلات موسيقية ولا راديو ولا حتى مسجل ، والنشاط الوحيد الذي كنا نمارسه لم يكن يحتاج إلى أي آلة موسيقية ، فآلة الغناء هي حناجرنا . كان غناؤنا فرديا ، يمارسه كل واحد منا على حده ، أما الغناء المتعدد الأصوات ، والتالي تاريخيا للغناء الفردي فقد كان موجودا في ( العرضة ) .
كان غناء العرضة الجماعي ، يولد مشاكل عديدة أبرزها عدم ملاءمة طبقة واحدة من الأصوات لجميع الأصوات المشاركة ، لذلك عادة ما كنا نميز نحن الأطفال الأصوات الناشزة ، أي تلك الأصوات التي تخرج عن ( لحن ) العرضة لعدم إمكانية الغناء الصحيح ، وقد كان ذلك امتحانا لذاكرتنا السمعية لكي ننسب الأصوات الناشزة إلى أصحابها .
غير الغناء الفردي والعرضة ، كانت دراساتنا الصوتية أو تعليمنا الصوتي مرتبط بتعلم القرآن الكريم عبر حفظه وترتيله وتلاوته ، وعلى مدى دراستنا في المرحلة الابتدائية تعلمنا تلاوة القرآن الذي أثر بدوره في ذاقتنا الموسيقية ، فقد علمنا أحد الأساتذة قراءة القرآن بطريقة مختلفة .
وهو يعلمنا لم نكن نعرف أنه يفعل ذلك عن طريق تلاوة القرآن بطريقة موسيقية ، وأنه يعطينا بذلك جرعات كبيرة من التعلم والوعي الموسيقيين إلى حد أن تلاوتنا للقرآن لم تكن مرتبطة بالطقوس اليومية ، بل كنا نتلو القرآن ونحن ذاهبون إلى المدرسة ، نتلوه أيضا ونحن عائدون إلى بيوتنا ، نتلوه بلذة قصوى حتى امتد إلى أن يكون نشاطا جماعيا نمارسه بعد أن ننصرف ؛ لنفرز الأصوات الجميلة .
كان المقرئ الشيخ عبد الباسط عبد الصمد يغذي فينا هذا الميل تجاه الأصوات الجميلة والبديعة ، يغذيه صباحا حينما تردد صدى قراءته القمم التي تحيط بالمدرسة والشعاب التي تحرسها ، صوت يعلمنا أنه إذا كان ثمة حب فيلزم أن نقرا القرآن بحب ، وإن كان ثمة ألم فيلزم أن نقرأه لكي يتدفق اللم .
ونحن نستمع إليه نعيش لحظات يتوسع فيها الكون ، لحظات ننتقل فيها من جانبنا الأرضي ، من تعاستنا وشقائنا وجوعنا وفقرنا وخوفنا ، ننتقل من هذا كله إلى طرف آخر يٌرى كما لو كنا نراه في أحلامنا ، نغمض أعيننا كما لو كنا سنطير ، لنصل إلى ذلك الطرف اللذيذ . هناك حيث المطلق والظلام الممتع والفراغ اللانهائي .
يسكت عبد الباسط ، ليبدأ طابور الصباح ، فنعود أطفالا ، كائنات أرضية نفكر في الأمكنة التي كنا فيها قبل لحظة ، أمكنة الخيال التي تمنحنا القوة لكي نعيش ، لكن عبد الباسط الذي يوصلنا إلى حيث كنا نقيم ذهنيا ، إلى تلك القوة هو أيضا نفسه الذي يخيفنا كي لا نستعملها .

منقول